القيمة الحضارية والسياحية لمنطقة وادي غزة 

 

وادي غزة:

    يطلق اسم وادي غزة على الجزء الأدنى، أو النهاية الغربية من مجرى طويل طوله حوالي 77كم، يمتد من منطقة النقب، وغرب جبال الخليل ، وجنوب غربها ، حتى ساحل البحر الأبيض المتوسط. 

 

هذا المجرى يطلق على أجزائه أسماء متعددة من بينها " وادي الثميلة، وادي الخلصة ، وادي شنيق، وادي الشلالة، وهي تغذي بدورها روافد، أو أودية أصغر حجماً، هي( من الشرق إلى الغرب): وادي الراعي، ووادي حلقيم ، ووادي عسلوج ، ووادي عوسجة، ووادي بئر السبع ، ووادي الشريعة.

 

موقع الوادي وبيئته: 

        نظراُ لخصوبة الأرض على ضفتي وادي غزة، وبالقرب منه، وكذلك توفر المياه العذبة للشرب وللزراعة فيه، وبالقرب منه، إلى جانب قربه من شاطئ البحر، ووقوعه على الطريق القديم الذي يربط مصر في الجنوب بفلسطين وسوريا وبلاد ما بين النهرين في الشمال والشرق، ذلك الطريق المعروف لدى المصريين القدماء بطريق حورس، فإن منطقة وادي غزة كانت من أكثر مناطق جنوب غرب فلسطين جذباً للسكان منذ العصر الحجري النحاسي( 4500-3200ق.م ) ، حيث ظهر على طول مجرى الوادي ما هو معروف باسم الحضارة الغسولية، نسبة إلى تليلات الغسول؛ التي هي مجموعة من التلال الأثرية الصغيرة تقع في وادي الأردن، إلى الشمال الشرقي من البحر الميت، ظهرت فيها قرى زراعية، ونمط جديد من العمارة وزخرفة الجدران بالألوان المائية أي ( الفريسكو) ، كذلك صناعة الأدوات النحاسية إلى جانب تلك المُصنعة من الفخار والبرونز، تلك الحضارة الجديدة انتشرت انتشاراً واسعاً في غور الأردن بأكمله، ومرج بن عامر ، والساحل الفلسطيني ، وفي منطقة بئر السبع، ووادي غزة، وكذلك في المناطق الجبلية الشرقية من فلسطين.

 

    أثبتت نتائج الحفريات الأثرية التي أُجريت في قطاع غزة أن هناك حضارات قد نشأت ومدن قد شُيدت في منطقة الوادي خلال العصر البرونزي بمراحله الثلاثة ( المبكر ، الوسيط ، والحديث) ، لذلك نرى اليوم على ضفتي الوادي عدداً كبيراً من الخرب والآثار والمواقع التاريخية التي تعكس حضارة الوادي، وسكانه خلال فترات تاريخية متعاقبة ، وهجرها سكانها بسبب الحروب، أو الزلازل أو التغيرات المناخية ، أو للأسباب كلها مجتمعة.

 

 عند النظر إلى الناحية التاريخية والأثرية والقيمة الحضارية السياحية لوادي غزة ، يجب أن نتذكر موقع طور إخبينة على الضفة الغربية لوادي غزة، وعلى بعد ثلاثة كيلومترات من البحر، وكيلو ونصف المتر إلى الشرق من تل العجول ، الذي يعد من أقدم مواقع الاستقرار الحضري في وادي غزة ، وقد اختار الكنعانيون هذا الموقع ليكون مقراً لاستقرارهم في العصر البرونزي المبكر، نظراً لوقوعه على طريق حورس؛ الذي يضمن لهم تواصلاً حضارياً ، وسياسياً ، وعسكرياً ، واقتصادياً مع الحضارة المصرية القديمة في الجنوب، وبحضارات ما بين النهرين في الشمال.

 

هذا الموقع خضع لحفريات أثرية في العام 1987م، كان من أهم نتائجها اكتشاف أطلال أقدم مدينة كنعانية نشأت في منطقة وادي غزة، حيث أنها تعود إلى المرحلة الأولى من العصر البرونزي المبكر، أي إلى حوالي 3200ق.م ، هذه المدينة بآثارها الثابتة والمنقولة جسدت دلائل واضحة على العلاقة الكنعانية المصرية خلال الفترة المبكرة من تاريخ فلسطين.

 

    تدل الآثار المنقولة المكتشفة في الموقع، وخاصة الأواني الفخارية ، وتشير إلى تقدم واضح في صناعة الأواني الفخارية الكنعانية في ناحية الصناعة والطراز بمنطقة وادي غزة ، كما كانت هذه الأواني تشير إلى وجود علاقات حضارية مع مصر كانت قائمة خلال تلك الفترة المبكرة من تاريخ فلسطين، تمثلت في اكتشاف عدد كبير من الأواني الفخارية المستوردة من مصر، وتلك المُصنّعة محليا تقليداً للصناعة المصرية، مما يدل أيضاً على تطور تقني ملحوظ في الصناعة تمثل في وجود أواني فخارية ملونة، ومزخرفة ، ومنقوشة إلى جانب أدوات صوانية تم تصنيعها للاستخدامات اليومية المنزلية، وفي الزراعة، وكذلك رؤوس سهام صوانية كانت تستخدم للصيد، مما يشير إلى انتشار مهنة الصيد بين سكان وادي غزة، وهذا إنما يدل على الدور الحضاري الذي كانت تتمتع به منطقة الوادي.

 

 

 

موقع تل السكن الأثري بوادي غزة: 

      يعد موقع تل السكن أكبر مدينة كنعانية محصنة في جنوب فلسطين، في منطقة وادي غزة. 

يقع تل السكن عند النهاية الشمالية لمدينة الزهراء ، وقد تم اكتشافه بالصدفة أثناء تجريف الرمال فوق التل لإقامة وحدات سكنية هناك. 

    تحتوي الطبقة الأثرية السفلى في التل بمنطقة وادي غزة على أطلال أكبر وأقدم مدينة كنعانية مسورة ومحصنة يتم اكتشافها في جنوب غرب أرض كنعان حتى تاريخه، فقد تم الكشف عن أجزاء من سور المدينة، وهي مشيدة بالطوب اللبِّن المختلف الأحجام، وتشير المكتشفات الأثرية في الموقع بوادي غزة إلى وجود علاقات كنعانية مصرية قوية في ذلك الوقت، تمثلت في أسلوب البناء ، وأحجام قوالب الطوب الصغيرة ذات الطراز المصري، إلى جانب اكتشاف آثار منقولة كالأواني الفخارية مصرية الصنع، إلى جانب اكتشاف منحوتات دقيقة، وجزء من نقش نعارمر؛ أول فراعنة الأسرة المصرية القديمة.

 

تشير المباني المكتشفة في الطبقات التالية من التل بوادي غزة على تطور حضاري كنعاني واضح في هذه المنطقة، يتمثل في التخطيط المسبق للمدينة، بمبانيها وشوارعها ، وقنوات الصرف الصحي فيها، والتقدم في فن العمارة، وتشييد المباني بشكل منظم مراعياً تخطيط المدينة والاتجاهات الطبيعية الأربعة، كذلك يشير موقع وادي غزة إلى وضع اقتصادي مزدهر ساد المدينة خلال ذلك العصر، يمكن ملاحظته من خلال المساحات الكبيرة للبيوت، واتساع غرفها اللافت للنظر، ومعرفة سكان المدينة منذ تلك الفترة بقصارة الجدران بالجير الأبيض النقي، والمتقن التنفيذ، واهتمامهم برصف أرضيات بيوتهم بقوالب الطين الكبيرة، ومعرفتهم بنظام قنوات الصرف الصحي، واهتمامهم بتجميع نفاياتهم في منطقة واحدة خارج نطاق المنطقة السكنية.

 

كذلك أشارت الدراسات المختبرية التي أجريت على الحضارة التي قامت في منطقة وادي غزة، إلى ما يدل على معرفة السكان بالأغنام والماعز والماشية، بالإضافة إلى اكتشاف عظام فرس النهر، والأسماك وعدد من الفقاريات البحرية، وهذا يمكن تفسيره بقرب موقع الوادي إلى شاطئ البحر، ووجود مناطق خضراء رعوية في بيئته المحيطة، هذا إلى جانب أن الوادي الذي يحتمل أنه كان يمر في مدينة الزهراء الواقع في منخفض بين تلال محيطة، وذلك قبل انتقاله إلى مجراه الحالي على بعد حوالي 700 متر جنوباً.

 

 

موقع تل العجول: 

       يعد موقع تل العجول أحد الأمثلة الهامة على التطور الحضري لسكان وادي غزة، وعلاقتهم بالحضارة المصرية القديمة. 

يقع هذا التل الأثري الهام في منطقة المغراقة، على الضفة الشمالية لوادي غزة، عند تقاطع طرق تجارية قديمة هامة، ووسط منطقة خصبة، ومياه متوفرة في الوادي، وفي آبار المياه العذبة، هذا إلى جانب قربه من البحر. 

     خضع تل العجول جزئياً لحفريات أثرية قام بها البريطانيون في وقت مبكر من القرن العشرين، وذلك بين عامي 1930و1934م. 

 

يحتوي الموقع على طبقات أثرية، تحتوي أطلال مدن بعضها فوق بعض، أنشأها الكنعانيون؛ سكان منطقة وادي غزة خلال الفترة من 2000 إلى 1200ق.م ، أهمها مدينة تحتوي على خمسة قصور ملكية في الجزء الشمالي الغربي من التل، وتشير المقتنيات الأثرية التي تم اكتشافها في الموقع على ثراء المدينة، وتطور صناعي فيها ، تمثل في صناعة أواني فخارية ذات لونين، ومشغولات ذهبية، وطرق تقنية في تطعيم شرائح الذهب بأحجار كريمة، واهتمامهم بجماليات المرأة من حيث العثور على مشغولات ذهبية، من بينها ما هو مطعم بالنحاس والقصدير والفضة، مثل دبابيس الشعر الذهبية، والقلائد ، والأساور، إلى جانب مرايا دائرية من البرونز تشبه مثيلتها التي وُجدت في أحد توابيت مقبرة تم اكتشافها في دير البلح في الثمانينات، تعود إلى العصر البرونزي الأخير، كذلك تم اكتشاف الكثير من الأختام، والجعارين التي تحمل أسماء عدد كبير من الفراعنة.

 

 كذلك أنشأ الهكسوس مدينة لهم في الجزء الجنوبي الشرقي من تل العجول قبل سقوط عاصمتهم ، أنه يمكن القول بأن الهكسوس كانوا قد استقروا في منطقة وادي غزة، ومن اللافت للنظر أن المدينة التي أسسها الهكسوس كانت مسورة، ومزودة بتحصينات دفاعية، وأنفاق تحت الأرض لها فتحات علوية للتهوية، وطريق دائري حول المدينة، بالإضافة إلى طرق أخرى تتفرع منها مؤدية إلى القصر وسط المدينة، أما البيوت السكنية فهي مشيدة على جانبي الطرق الرئيسة والفرعية، مما يشير إلى تخطيط مسبق كانوا قد أعدوه قبل إقامة المدينة في منطقة وادي غزة.

 

      دلت الكميات الكبيرة من رؤوس السهام التي تم اكتشافها فوق أطلال آخر طبقة فيه، إلى جانب الرماد المتراكم هنا وهناك في المدينة إلى تدخل عسكري أدى إلى هجرها، وقد طرح عالم الآثار فليندرز بتري؛ الذي نقب في الموقع ، فرضية مفادها أن تل العجول كان الموقع الأول لمدينة غزة قبل انتقالها إلى موقعها الحالي، إلا أن هذه الفرضية لم يتم تأكيدها حتى اليوم.

 

 

 

وادي غزة من نهاية العصر البرونزي إلى العصر الروماني: 

     لم تشهد منطقة وادي غزة تطوراً حضارياً خلال العصر الحديدي، أي الفترة الممتدة من نهاية العصر البرونزي 1200قبل الميلاد، حتى مجيء الإسكندر الأكبر عام332قبل الميلاد، هذا الأمر لا يعني بالطبع هجرة تامة لمنطقة الوادي خلال هذه الفترة، بدليل اكتشاف آثار منقولة ( مقتنيات أثرية) ، وأيضاً ثابتة ( مباني)، في مناطق متفرقة فوق أنقاض مباني العصر البرونزي، خاصة في موقع تل العجول، لكن هذا الوجود السكاني لم يكن متطوراً حضارياً، مقارنة بما كان خلال العصر البرونزي، حيث لم يشهد العصر الحديدي على ضفتي وادي غزة، تأسيساً لمدن جديدة تشير إلى استمرارية التطور الحضري، الذي انتقل شمالاً إلى مدينة غزة وشاطئها، وكذلك إلى الجنوب على شاطئ البحر، وأماكن متفرقة من الجهة الشرقة من الوادي.

 

هذا الأمر استمر كذلك حتى بدايات العصر الروماني، لتنشأ بعد ذلك قرى هامة في مواقع أثرية بالقرب من الضفة الشمالية للوادي، لم يتم التنقيب فيها بعد، ومواقع أخرى على الضفة الجنوبية للوادي تذكرها الأدبيات وكتب الرحالة مثل موقع الشوباني، وموقع تل الصنم، وأهمها جميعاً موقع خربة أم التوت الذي يحتوي على أطلال قرية طباثا Tabatha الرومانية ، وموقع تل أم عامر في النصيرات إلى الجنوب قليلاً من خربة أم التوت، والذي يحتوي على أطلال مجمع ديني مسيحي يعود إلى العصر البيزنطي.

 

 

تطور حضري في وادي غزة خلال العصر الروماني- البيزنطي: 

       عادت منطقة وادي غزة لتنهض من جديد خلال العصر الروماني- البيزنطي، فشيّد سكانها القرى، فعلى الضفة الجنوبية للوادي، عند نهايته الغربية يوجد موقع آثار خربة أم التوت؛ الذي يحتوي على أنقاض مدينة طباثا أو تباتا الرومانية، التي ذكرها العديد من المؤرخين.

 

كان لقرية تباتا أهميتها لدرجة أن أطلق السكان آنذاك اسم " نهر تباتا " على وادي غزة، وقد ذكرت المصادر التاريخية أن تباتا كانت مكان ميلاد القديس هيلاريون؛ وهو اسم يوناني يعني " المبتهج"، وذلك عام 291م، وكان قد أنشأ ديراً في الصحراء، في الموقع المعروف اليوم باسم " تل أم عامر"،في منطقة النصيرات على حدود بلدة الزوايدة.

 

وإلى جانب المصادر التاريخية يوجد تصوير لقرية تباتا، مقرون باسمها باليونانية، في أرضية من الفسيفساء الملون تعود إلى العصر البيزنطي، تم اكتشافها في مدينة مادبا الأردنية؛ وهي عبارة عن خارطة لأهم المدن والقرى المسيحية في فلسطين ومصر حتى نهر النيل، حيث تظهر قرية تباتا إلى الجنوب من مدينة غزة.

 

  تم الكشف عن أجزاء من هذا الدير بالصدفة عام 1991م، أثناء عمليات تسوية للأرض في موقع تل " أم عامر"، وقد تم الكشف عن كافة أجزاء الدير، بصالاته وغرف خدماته التي تغطي أرضياتها الفسيفساء الملونة، ويدل وجود حمام عام بأقسامه الباردة والدافئة والساخنة ، وكذلك وجود آبار وقنوات المياه، وبقايا دواليب كانت تستخدم لعصر الزيت، على حياة مستقرة في الموقع ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الحضارة المتقدمة التي تمتعت فيها منطقة وادي غزة خلال العصر البيزنطي. 

 

 

وادي غزة منذ الفتح الإسلامي: 

     تعرضت قرى وادي غزة خلال العصر الروماني والبيزنطي، وأيضاً مع نهايات هذا العصر إلى حروب عديدة بين قوى متصارعة، ولعبت الزلازل أيضاً دوراً هاماً ساهم في هجرها، وأهمها زلزال عام747 ميلادية، حيث توقف التطور الحضري في منطقة وادي غزة بشكل مؤقت، إلى أن توافدت مجموعات من السكان، لتقيم في منطقة الوادي مستفيدة من موقعه، ومياهه، وشجره، ونباتاته، وخصوبة أرضه، إلى جانب قربه من شاطئ البحر، ووقوعه على الطريق القادم من مصر، مؤدياً إلى الشمال، لتقيم بيوتاً فوق المواقع الأثرية المهجورة، مستفيدة من جدرانها القديمة لتكون مكمّلة لبيت جديد، هذا الوجود التدريجي تؤكده لنا التكوينات المعمارية والعملات، وأجزاء الأواني الفخارية الإسلامية المبكرة المكتشفة في مواقع على ضفتي الوادي، وتعد الجدران والآثار الإسلامية المنقولة المكتشفة فوق أطلال دير القديس هيلاريون، المذكورة آنفاً، أفضل مثال على ذلك.

 

أما في العصر الإسلامي المتأخر، وتحديداً خلال العصر المملوكي بدأ الاهتمام بمنطقة وادي غزة الاستيراتيجية، فقد أنشأ عدداً من السلاطين المماليك مساطب، أي مقرات للراحة والاستقبال في مشارف مدينة غزة للقادم من مصر، مثل مسطبة السلطان المؤيد شيخ، التي أنشأها فوق تل العجول في منطقة المغراقة، ثم بدأت بعد ذلك بعض القبائل والعائلات بالتوافد إلى منطقة الوادي للإقامة والاستقرار، لتنشأ بلدات كبيرة نراها اليوم على ضفتيه.

 

لذلك يعد التراث الحضاري في منطقة وادي غزة عبارة عن شاهد حي على الجذور التاريخية لمدينة غزة بشكل خاص وفلسطين بشكل عام، وأحد المقومات الهامة للسياحة الفلسطينية، حيث أنه يجسد التراث الوطني الفلسطيني على ضفتي الوادي، وهو كذلك جزءاً هاماً من التراث العربي؛ الذي هو جزء من التراث العالمي، ورغم أن حمايته وتطويره ليست مهمة فلسطينية فحسب، وإنما مهمة دولية، فإن الواجب والمصلحة الوطنية تحتم علينا، قبل غيرنا حمايته ، وتطويره، وتأهيله، باعتباره إلى جانب أهميته التاريخية ، أحد أهم مقومات السياحة البيئية الفلسطينية.