جدار الفصل.. الآثار والمخاطر

 

 

 

 

تمهيد:

 

أنهت حكومة شارون الإرهابية المرحلة الأولى من بناء السور المسمى "الجدار الأمني الفاصل"، وتواصل بوتيرة محمومة جهودها لإتمام ما تبقى من مراحل، متذرعة بالمحافظة على الأمن في المدن والمستوطنات الصهيونية من تسلل المجاهدين والاستشهاديين، فبدأت آلة الإرهاب والقهر الصهيوني تعيث فساداً وتدميراً في القرى التي يمر الجدار من خلالها، لتعود من جديد مخططات المصادرة والتهويد إلى رأس الأولويات التنفيذية الصهيونية، لتحيل ما تبقى من الضفة الغربية إلى معازل وكانتونات يحشر خلالها الشعب الفلسطيني بين جدار إسمنتي وأسوار مستوطنات وحدود الخط الأخضر، وينجم عن ذلك ألف مأساة ومأساة، في سياق الحرب العدوانية الصهيونية على الأرض والإنسان الفلسطيني لاقتلاعه من أرضه وجذوره وتشريده مجدداً، سواء كان ذلك تهجيراً داخلياً أم خارجياً.

 

خلفية تاريخية: 

فكرة بناء الجدار الفاصل خطة قديمة متجددة، مرت بمراحل متعددة، وطرحت بصيغ مختلفة، لتحقيق أغراض وغايات تتناسب مع رؤية وبرنامج الشخص أو الحزب الذي يطرحه، فمنذ الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية غداة حرب الأيام الستة (1967م) طرح وزير المالية الصهيوني آنذاك "بنحاس سافير" الفكرة، وذكرت مصادر صهيونية أن شارون ومنذ عام 1973م وهو يخطط لتنفيذ الفصل بين مناطق الضفة وتحويلها إلى معازل، ومنذ عام 1978 كان لديه خريطة تفصيلية لمخطط الجدار، وفي انتخابات الكنيست عام 1988 طرح حزب العمل خطة "هالوفيم" التي اقترحت إقامة السياج الفاصل على خط التماس بين الضفة الغربية والأرض المحتلة عام 1948، ولكن الليكود فاز في تلك الانتخابات.

 

وفي عام 1995م بعد عملية بيت ليد الاستشهادية، طلب رئيس الوزراء الصهيوني "إسحاق رابين" من وزير الأمن الداخلي، "موشيه شاحل" وضع خطة لفصل الكيان الصهيوني عن الشعب الفلسطيني، وعمل شاحل مع الجيش والشاباك لإعداد الخطة للتنفيذ، ولكنها سقطت لأسباب اقتصادية في المقام الأول.

 

وبعد أن تسلم نتنياهو سدة الحكم في الكيان الصهيوني عام 1996م، بادر افيغدور كهلاني الوزير الذي خلف شاحل، بوضع خطة "ميتساريم" والتي تقوم على إقامة سياج وعوائق على امتداد الخط الأخضر، وسقطت الخطة لأسباب سياسية تتعلق بمخاوف اليمين من تحول السياج إلى حدود رسمية سياسية. 

عادت فكرة الجدار إلى الواجهة السياسية مجدداً في انتخابات عام 2000م، حيث أعلن باراك انه سيقوم بالفصل أحادي الجانب بين الفلسطينيين والصهاينة، تحت شعار "نحن هنا وهم هناك"، كما كشف زئيف شيف "المحلل العسكري لصحيفة هآرتس" عن وجود خطة لمناطق عزل على طول حدود الضفة الغربية، وذلك في مطلع حزيران 2001م. 

 

ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى سبتمبر 2000م، أخذت وتيرة المطالبة بإقامة الجدار الفاصل تزداد باطراد، إلى أن قدم آفي ديختر "رئيس الشاباك" خطة للجدار الفاصل في شباط 2002م، والتي أخذت طريقها للتنفيذ، بعد نقاشات وتعديلات وتجاذبات كثيرة، وتولى تنفيذ المراحل الأولى للخطة وزير الحرب العمالي "بن اليعازر" في ظل حكومة الائتلاف الصهيونية، وقد بدأ العمل فيه منذ يوم 23 حزيران (يوليو) 2002م، بعد أن أقرته حكومة الاحتلال اثر اجتياح الضفة في حملة ما سمي "السور الواقي".

 

مراحل ومكونات الجدار: 

يتضمن مخطط الجدار الفاصل ثلاث مراحل هي:

 

 مرحلة الأولى: وتشمل مناطق جنين، طولكرم، قلقيلية والقدس ويبلغ طول الجدار فيها 149 كلم، منها 21كم حول القدس فيما يسمى "غلاف القدس".

 

المرحلة الثانية: وتشمل مناطق بيت لحم والخليل وباقي حدود الضفة الغربية مع فلسطين المحتلة عام 1948م.

 

المرحلة الثالثة: وتشمل خطاً طولياً على الحدود بين الضفة والأردن، وتسمى مرحلة تمديد الجدار إلى غور الأردن.

 

ويتكون الجدار من:

 

·أعمدة وأسلاك معدنية وشائكة.

 

·جدار إسمنتي أو معدني اليكتروني تحذيري حساس.

 

·كاميرات رؤية ومراقبة .

 

·كلاب أثر.

 

·قنوات وسواتر ترابية.

 

·أبراج مراقبة بأنواع مختلفة.

 

·قوات متحركة من الجيش وحرس الحدود تنطلق في حالة وصول إنذار من إحدى الوسائل الالكترونية.

 

خطة عزل القدس: 

وتتضمن بناء حائط بطول 11كم على طول خط الهدنة، والذي يعود إلى عام 1949م، والفاصل بين المناطق السكنية: العربية واليهودية في القدس، تكمله سلسلة خنادق ومجسات حرارية وأجهزة رؤية ليلية، ويشمل الجدار مناطق: أبو ديس، العيزرية، ومستوطنة "غوش عيتصيون" في الجنوب، وقد بدأ العمل به في شباط 2002م، ويوشك على إتمام مراحله المختلفة.

 

آثار الجدار على الشعب الفلسطيني: 

يشكل الجدار حلقة جديدة من حلقات العدوان على الشعب الفلسطيني، اذ يفاقم معاناته، ويزيد من ظروف الحصار قسوة، وينعكس بصورة سلبية على الحياة اليومية لمئات الآلاف من أبناء شعبنا، ويحولهم إلى أسرى في معازل وكانتونات، يحتاج سكانها إلى تصاريح أمنية وإدارية صهيونية للخروج منها أو الدخول إليها، وذلك تمهيداً لمصادرة الأراضي وتهجير سكانها هجرة داخلية أو خارجية، وذلك بعد تدمير ممتلكاتهم ودفيئاتهم الزراعية، وتجريف مزروعاتهم وقطع الأشجار المثمرة، ....الخ، والحيلولة دون وصول أهلها إليها، تمهيداً لمصادرتها نهائياً. 

 

ومنذ المرحلة الأولى لبناء السور في شمال غربي الضفة (جنين، طولكرم، وقلقيلية)، تبين أن 15 قرية – بما فيها نحو 14 ألفاً من السكان – وجدوا أنفسهم بين السور والخط الأخضر، وحسب التقديرات فان 15 قرية أخرى في هذه المناطق ويسكنها 140 الف مواطن فلسطيني، سيتم احاطتها بسور الفصل من ثلاثة اتجاهات: هذه القرى الثلاثون متوقع لها شروط عزل قاسية جداً.

 

أشار تقرير اولي رفعه مندوب البنك الدولي "نيغل روبرتس" إلى مندوبي الدول المانحة واللجنة الرباعية، بان حوالي 70 قرية فلسطينية صغيرة وكبيرة ستتم الاحاطة بها وعزلها عند إتمام مراحل الجدار، ويصل عدد سكان هذه القرى إلى 213 ألف نسمة، إضافة إلى ان 15 قرية  فصلت أو ستفصل عن أراضيها التي بقيت غربي الجدار، ولا يجد أصحابها وسيلة للوصول إليها وفلاحتها، فالجدار يفصل 96500 دونم إلى الغرب منه، أي يفصلها عن الضفة الغربية التي يحاصرها شرقاً، كما تؤدي التواءات الجدار وجدار الطوق الداخلي إلى محاصرة 65500 دونم أخرى، ويضاف إلى ذلك 11400 دونم تضيع عبر عملية بناء الجدار نفسه وعبر شق الأخاديد ووضع العراقيل التي تمنع الوصول إليها.

والأراضي المصادرة أو المحاصرة هي الأكثر خصوبة والأوفر ماء، فمن اصل 175 مشروعاً زراعياً في الضفة الغربية توجد في المناطق الشمالية 42% منها، كما تضم  تلك المناطق حوالي 80% من مشاريع المياه والكهرباء في الضفة الغربية، وقد وضع الاحتلال عملياً يده على 31 بئر مياه تحت سيطرته في إطار بناء الجدار، حارماً بذلك سكان هذه المناطق من 4 ملايين متر مكعب من مياههم سنوياً. 

 

اقتلع الجدار حتى حزيران الماضي 83000 شجرة مثمرة، وخرب 35000 متر من أنابيب ا لري، وأتى على 11400 دونم زراعية، ويترتب على هذا الجدار تقييد حرية التجمعات السكانية المحشورة بين الجدار والخط الأخضر، أو تلك القرى والتجمعات المحاصرة في التواءات الجدار، فهؤلاء المواطنون لا يحملون هوية إسرائيلية لكي يتمكنوا من الحركة داخل الخط الأخضر، ولا يمكنهم الحركة باتجاه الضفة الغربية ذاتها، واذا ما وصلوا اليها يصعب عليهم العودة إلى قراهم وبيوتهم غربي الجدار ويترتب على ذلك معاناة يومية قاسية قد تحول بين المعلم والتلميذ وبين المدرسة، وكذا الأمر بين الموظف وعمله، والمريض والمستشفى، وقد تحول بين تواصل العلاقات الإنسانية والاجتماعية بين الأهل والأقارب. 

 

الجدار ومواقف الأطراف

هناك إجماع فلسطيني – سلطة وفصائل- على رفض الجدار والعمل على مقاومته والتصدي لآثاره السلبية على الأرض والإنسان الفلسطيني، وينبع موقف السلطة من كون الجدار لا يلتزم بخط الرابع من حزيران 1967م، ومن ثم يفرض واقعاً يتجاوز قرار 242، ويكرس وقائع جديدة على الأرض تحول دون قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً في الضفة والقطاع، وبذلك يكون الجدار آخر مسمار في نعش عملية ا لتسوية، التي اعتمدتها السلطة برنامجاً لها، وقد حاولت السلطة العمل مع الإدارة الأمريكية للحيلولة دون تنفيذه، ولكن دون جدوى.

 

لا يختلف الموقف العربي إزاء موضوع الجدار عن المواقف إزاء مجمل العدوان الصهيوني، وهي مواقف تتسم عادة بالضعف وعدم التأثير، إذ لا تتجاوز الظاهرة الصوتية، وقد فشلت المجموعة العربية في تمرير قرار في مجلس الأمن يدين الجدار ويطالب حكومة الاحتلال بوقف بنائه بفعل الفيتو الأمريكي، وتوجهت تلك المجموعة إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتوافقت مع الاتحاد الأوروبي على قرار غير ملزم من الجمعية العمومية، وذلك بعد دفع ثمن سياسي يتمثل في إدانة المقاومة باعتبارها إرهاباً والذي فرضته أطراف دولية وأوروبية. 

 

          كما لا يختلف الموقف الأوروبي وتأثيره عن الموقف العربي، ويقتصر على التحذير من عواقب الجدار على التسوية، وزيادة معاناة الشعب الفلسطيني دون أن يترتب على ذلك خطوات عملية عقابية موجهة ضد حكومة شارون.

 

أما الموقف الأمريكي ذو الأهمية والتأثير على حكومة شارون، فالإدارة الأمريكية وفي ظل حالة التماهي الكاملة مع العدو الصهيوني، فإنها تدعم بناء الجدار على الصعيد السياسي وتوفر له الحماية والغطاء الدولي الضروري،كما توفر له التمويل المالي، وهو المشروع الذي يتوقع ان تصل كلفته إلى 400مليون دولار، ويعتبر من المشاريع الضخمة التي ما كان للكيان أن يمضي فيها لولا المساعدات وضمانات القروض الأمريكية، كما كان للفيتو الأمريكي في مجلس الأمن الدولي دورا هاماً في تشجيع حكومة العدو على الاستمرار في بناء الجدار. 

 

 هذا التوافق والدعم الأمريكي  لا ينفي استمرار وجود بعض الخلافات الفرعية والجزئية المتعلقة بمسار الجدار، إذ تعبر الإدارة الأمريكية بين الحين والآخر عن قلقها إزاء تأثيره المحتمل على مسيرة التسوية والدولة الفلسطينية الموعودة، وكذلك على حياة المدنيين الفلسطينيين، مع التأكيد على استمرار التشاور حول النقاط الخلافية بين الطرفين حول المسار، وعدم تحولها إلى خلاف حقيقي بين الطرفين، خاصة في ظل المأزق الأمريكي في العراق، واقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي الانتخابي الأمريكي. 

 

الرؤية الصهيونية للجدار: 

لعل الكثير من معالم الرؤية الصهيونية اتضحت من خلال استعراض المعلومات المتعلقة بالجدار وتأثيراتها على الشعب الفلسطيني، ولتحديد هذه الرؤية لا بد من استعراض الأبعاد التالية: 

أ‌-  البعد الأمني: الذريعة الأمنية هي السبب المعلن لبناء الجدار، وبلا شك فان ضربات المقاومة في العمق الصهيوني، وفشل كل الوسائل التي استخدمها العدو لوقف المقاومة، جعلته يبدل أولوياته ويتجه نحو بناء الجدار لتحقيق الهدف الأمني وأهداف أخرى، وهذا الهدف يسعى العدو لتحقيقه من خلال: 

 

1-   وضع حواجز مادية والكترونية وبشرية جديدة في مواجهة مجاهدي المقاومة، ولا سيما الاستشهاديين. 

2- تعريض الشعب الفلسطيني لمزيد من الضغوط والعدوان بهدف إضعاف معنوياته ودفعه إلى الاستسلام لإرادة العدو ووقف المقاومة. 

 

يحاول العدو استنساخ تجربته مع السياج الفاصل المضروب على قطاع غزة، باعتبارها تجربة ناجحة، حالت دون انطلاق الاستشهاديين من القطاع إلى فلسطين المحتلة عام 1948، والذي يستكمل في حالياً في رفح على الحدود بين قطاع غزة ومصر. 

 

ب‌-   مصادرة الأراضي: تقوم عقيدة الليكود السياسية بقيادة شارون على الاستمرار في احتلال وابتلاع الأرض الفلسطينية، فالأرض لديه هي جوهر الصراع، ومن ثم فإن مصادرة أكبر قدر من الأرض وضمها فعلياً إلى الكيان الصهيوني، تمهيداً لفرض أمر واقع مستقبلاً، يعد الهدف الرئيس لمسار الجدار بصورته الحالية، حيث صودرت أو ستصادر عشرات آلاف الدونمات، وحوصرت عشرات الآلاف الأخرى بين الجدار والخط الأخضر، كمرحلة أولى نحو المصادرة والضم بعد تفريغها من سكانها عبر إجراءات القهر والعنف التي تمارس على أهلها، كأحد أساليب الترانسفير. 

 

ت‌-   البعد الاستيطاني: مسار الجدار الفاصل لم تفرضه ضرورات أمنية، بقدر ما تشجع عليه الاعتبارات الاستيطانية، لذا حرصت حكومة الاحتلال على ضم أكبر قدر ممكن من المستوطنات في إطار الجدار، لهذا صار مساره متعرجاً بطريقة تحوي العدد الكبير من المستوطنات، وبما يتيح المجال لمزيد من الاستيطان في المناطق المحصورة بين ثناياه، ولعل المشروع الاستيطاني الأكبر الذي يتضمنه مخطط الجدار يتمثل في المرحلة الثالثة في غور الأردن.

 

 ث-   البعد السياسي: كانت خشية اليمين الصهيوني دائماً أن يشكل الجدار الفاصل حدوداً سياسية تؤدي إلى عودة حدود الكيان إلى حدود الرابع من حزيران 1967م، وكذلك خشية المستوطنين من تفكيك المستوطنات أو إبقائها خارج السور، ومن ثم تبقى دون ضم إلى الكيان الصهيوني، ولكن المخطط الجاري حالياً يتجاوز هذه المخاوف، ويعمل على تنفيذ خطة شارون للمعازل (البنتوستانات) والتي طرحها في لقائه مع رئيس وزراء ايطاليا عام 1997م، والتي تمثل رؤيته للحل السياسي القائم على دولة فلسطينية على 42% من مساحة الضفة الغربية، ومن ثم فإن مخطط الجدار يفرض واقعاً سياسياً حسب رؤية شارون للحل النهائي، ويضمن احتفاظ الكيان بالسيادة على غور الأردن حسب خطة أيلون التي عرضت قبل ثلاثين سنة تقريباً.

 

هذه الرؤية تعني في جوهرها فر ض الأمر الواقع وإنهاء ما تبقى من احتمالات التسوية في المستقبل، الأمر الذي يحول دون قيام دولة فلسطينية إلا إذا كانت بمواصفات رؤية شارون. 

 

ج‌-  البعد الأيدلوجي والنفسي: والذي عبر عنه باراك في شعاره الانتخابي "نحن هنا وهم هناك" وكأن ما يجري لا يعدو كونه عملية خداع للذات الصهيونية، فعملية نفي الشعب الفلسطيني من مدى الرؤية – عبر الجدار – سيؤدي إلى نفيه عملياً، وانتهاء الصراع بين الطرفين. 

 

 إن عقلية الجيتو الصهيونية، والتي جسدها شعار "سور وبرج" في مراحل الاستيطان الأولى لا تزال تتحكم بعقلية السياسي الصهيوني، ففي الوقت الذي انهار فيه سور برلين، و في الوقت الذي يتجه العالم فيه نحو الانفتاح والتواصل الحر المفتوح، يسعى الصهاينة إلى الانغلاق وخنق الآخرين، ويلاحظ في هذا الإطار أن الكيان الصهيوني قد حاصر نفسه فعلياً عن محيطه داخل فلسطين وخارجها بدلاً من حالة التمدد الجغرافي الذي حلم به الصهاينة (من الفرات إلى النيل)، وهذا يشكل تراجعاً على صعيد الأيديولوجي الصهيوني، سواء على صعيد ما سمي بأرض الميعاد أم على صعيد فكرة "إسرائيل الكبرى" إذ إن الأرض التي نجحوا في اغتصابها تتقلص وتعج بالجدران الأسمنتية يحاصرون فيها أنفسهم كما الشعب الفلسطيني. 

 

 كما يعبر الجدار بجلاء عن النزعة الاستعلائية العنصرية الساديّة التي تتلذذ بمعاناة الشعب الفلسطيني، على أيدي غرباء زرعوا على أرضه قسراً، في سياق نظام أشد وأقسى وأخطر من نظام الابارتهيد العنصري في جنوب أفريقيا سابقاً.

 

وقد اخبرنا الله عز وجل عن جبن اليهود وحرصهم على الحياة، وعن عقلية الجدار والأسوار المتأصلة في أعماقهم بقوله: "لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرىً محصنة أو من وراء جُدُر، بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون"

 

ح‌- البعد الديمغرافي (السكاني): اعتمدت رؤية اليسار خاصة حزب العمل على المعطيات الديمغرافية، والسعي إلى تكريس وجود استمرار الدولة اليهودية بطبيعتها اليهودية العنصرية تلك، لتوفير مظلة ودعم صهيوني داخلي لمشروع الجدار، ويجدر التذكير هنا أن كلاً من سافير وباراك وحاييم رامون وشاحال وبن اليعازر  هم من قادة حزب العمل، والذين كانوا خلف فكرة بناء الجدار الفاصل، وبالتالي فإن حزب العمل يعتبر أن الليكود عاد لتنفيذ رؤيتهم للفصل وأنه عملياً يقوم بتنفيذها.

 

 ولعل من أشد مخاطر الجدار الفاصل، ما سيحدثه من عمليات طرد وهجرة قسرية داخلية في نطاق الضفة الغربية، تمهيداً ربما للترانسفير في سياق "الوطن البديل"، وتوفير فرصة لمزيد من مصادرة الأراضي والاستيطان وتزايد عدد المستوطنين في الضفة الغربية، وربما كان هذا هو الغرض الحقيقي من بناء الجدار، فلو كان الهدف منه أمنياً لاكتفوا ببنائه على طول الخط الأخضر.  

 

ختاماً: أسلوب التعاطي مع الجدار الفاصل: 

يتضح مما تقدم أن الجدار يمثل فصلاً عدوانياً وحشياً جديداً، ضد الأرض والإنسان الفلسطيني، وهو مخطط قديم متجدد، لنهب الأرض، ودفع أهلها للهجرة عنها ومصادرتها، وهو مخطط يحظى بالإجماع الصهيوني بين اليسار واليمين،  وما التذرع بالمقاومة والحفاظ على الأمن الصهيوني سوى واجهة لمخطط الكانتونات الذي يقوده شارون. 

 

ومما لا شك فيه فان العدو الصهيوني يجد دائماً الذرائع الملائمة لتنفيذ مآربه، سواء كان ذلك في ظل الانتفاضة والمقاومة أو في ظل التهدئة والتسوية، خاصة في ظل واقع الاستيطان الذي تضاعف أثناء حقبة اوسلو، ورغبة الاحتلال في إبقاء تلك المستوطنات قائمة وتحت السيادة الصهيونية. 

 

وقد أكد الكاتب الصهيوني ب.ميخائيل في صحيفة يديعوت احرنوت بتاريخ 31/10/2003 أن الأمن ليس سوى ذريعة واهية لبناء الجدار وأن حكومة شارون تخفي وراءها دوافع أخرى حقيقية، على رأسها مصادرة الأراضي وزيادة معاناة الشعب الفلسطيني لإخضاعه، ولن يحقق الجدار سوى المعاناة للشعب الفلسطيني، ولكنه لن يؤدي مطلقاً إلى وقف العمليات الاستشهادية وتحقيق الأمن للصهاينة، بل سيشكل دافعاً جديداً للشعب الفلسطيني لاستمرار المقاومة. 

 

يؤكد الواقع الذي يفرضه جدار الفصل الصهيوني العنصري أن حل الصراع لا يتم عبر صفقات جزئية هنا وهناك ، فالعدو قادر في كل مرحلة أن يفرض وقائع يضطر الطرف الفلسطيني المفاوض للتعامل معها، لتصبح ورقة مساومة جديدة في يد المفاوض الصهيوني، وذلك لاستلاب المزيد من الأرض والحقوق الفلسطينية، وهذا لا يلغي ضرورة تصعيد الحملة ضد بناء الجدار العنصري شعبياً وسياسياً وإعلامياً وعالمياً وبكل الوسائل المناسبة على ألا يغيب عن الأنظار والتخطيط بأن التحرير الشامل، من خلال تبني رؤية استراتيجية تقوم على اقتلاع جذور الكيان الصهيوني هو الطريق الحقيقي لحل كل المشكلات القائمة وذلك بتضافر الجهود الفلسطينية والعربية والإسلامية، ومن اجل أن يتحقق هذا الخيار الاستراتيجي لا بد من تبني استراتيجية الصمود المقاومة والصمود والتصدي لمخططات العدو، والثبات في الأرض مهما اشتدت الضغوط وظروف الحصار، مع الثقة بالنفس والتحرك بقوة لإيجاد وسائل الجهاد والمقاومة المناسبة لتخطي العوائق التي يفرضها الجدار الفاصل، بل وتحويل هذا الجدار إلى مصيدة وأهداف جديدة للمقاومة، وهذا تحدٍ أمام المجاهدين والخبراء لا بد من الانتصار فيه مستعينين بالله سبحانه وتعالى ثم بخبرات وقدرات مناسبة.

 

فالعدو واهم إذا تصور بان فرض الأمر الواقع يمكن أن يحل الصراع الوجودي بين شعبنا وامتنا من جهة والعدو الصهيوني من الجهة الأخرى، وكان يجدر بالعدو أن يأخذ العبرة من سقوط خط بارليف، وهدم جدار برلين، وفقدان خط ماجلان في فرنسا لدوره وفاعليته رغم عظمة تحصيناته، ليصل لنتيجة حتمية مفادها أن الجدران والحواجز والاستحكامات لن توفر للكيان الأمن أمام إرادة شعبنا في التحرر والخلاص من الإرهاب والاحتلال الصهيوني.